الجمعة، 16 أكتوبر، 2015

بوابة تنفتح

انتظرت الطفلة ذات الست سنوات بشوق عارم نهاية العطلة حتى تلتحق بالمدرسة الابتدائية مع الكبار، هي التي لم تعتبر نفسها يوما صغيرة، كانت تنزعج أيما انزعاج عندما يقول عنها أحد "صغيرة".


قبل أربع وعشرين يوما بدأت العد التنازلي رفقة أمها، تسألها يوميا كم بقي من يوم على الدخول المدرسي، ثم توصلتا إلى فكرة لطيفة: تكتب على قصاصة مربعة كل يوم رقما جديدا يمثل عدد الأيام الباقية على العهد الجديد ثم تثبتها على الثلاجة، وشرعت تكتب الأرقام بيديها الصغيرتين... إلى أن جاء اليوم المنتظر... ليلتها نامت بصعوبة كعادتها فرأسها تملؤه الأفكار الجميلة والخيالات الملونة التي يحلو لها المكوث معها طويلا.

رغم ذلك استيقظت نصف مغمضة العينين على الخامسة صباحا تنادي : ماما... فقالت لها أمها : عودي إلى النوم، لم يحن الوقت بعد.
ولما حانت ساعة الاستيقاظ أقبلت عليها أمها، كانت ابنتها مستغرقة في النوم ولكن ما إن استوعبت أن أمها توقظها قفزت بسرعة مدهشة إلى الغرفة المجاورة:)

المدرسة ليست بعيدة كثيرا عن المنزل، مشت في سعادة تقص الحكايا تارة وتفسح المجال لخيالها المستكشف تارة أخرى. انقضت المسافة ووجدت الطفلة حشدا غير هيّن من قرنائها الذين ينتظرون أن يؤذن لهم بولوج بوابة العالم الجديد. وارتفعت أسماء طلاب العلم الصغار في ساحة المدرسة، تنادي عليهم المديرة رفقة الشرطي ذي الزي الأزرق، ينادون عليهم واحدا واحدا ليلتحق كل منهم بصفه ويتعرف على معلمه في يوم مشرق وملون. 

وفي صباح اليوم الثاني لها في هذه المدرسة الجديدة، ارتدت مئزرها الوردي الذي خالط بهاؤه صفاء وجهها الأبيض المشرق في جمال أنيق. وتمنت لها أمها تألقا في الإنجاز ورقيا في التعامل وبراعة في الحياة، وهي التي تخطو بفرح خطى يتسارعها الوقت نحو استقلالية أخرى... أمها تدرك تماما أن بنيتها من الآن فصاعدا ستقضي معظم الوقت بعيدا عنها، لذلك هي تدعو لها أن يحفظها الله من كل مكروه وأن يسعدها في كل حين...

----------------
 الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

الخميس، 1 يناير، 2015

أمنية العام الجديد حقيقة

هو ذا عام آخر يمضي من عمري وعمرك وعمر البشرية، إنه في الحقيقة عمر واحد تتكرر فيه الأخطاء والندم، الكراهية والحب، الخير والشر، المعصية والتوبة، البعد ثم القرب... ويتمنى الناس في رأس كل عام جديد الوصول إلى السعادة. يقال إن الأماني لا تتحقق، ماذا إن غيرنا التسمية وقلنا "السعادة حقيقة في قلوبنا" وليست مجرد أمنية. 


نعم، السعادة حقيقة موجودة في كل ما حولك، موجودة في الطفل الصغير عندما يضحك من أبسط الأشياء، فتبتهج أنت...
هل تبتهج حقا؟
موجودة في الأمان الذي يشعر به الشيخ الكبير عندما تمسك بيده وتقول له إنك هنا من أجله، فتبتهج أنت...
هل تبتهج حقا؟
موجودة في امرأة ضعيفة وجدت نفسها وحيدة وسط عالم تنهشه الذئاب، فأخذت بيدها وأرشدتها إلى مكان آمن، فذهب عنها الروع وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في زهرة جميلة كانت ستذبل وتموت عطشا لولا أنك سقيتها بقليل من الماء الصافي، فانتعشت وتلونت بالسعادة وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في قط وقع في حفرة ولم يجد سبيلا إلى الخروج منها، ووجدك من الأعلى تمد يدك لتنقذه، فأسرع في مغادرة المكان غير مصدق أنه نجا وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في الإنجاز الذي حققته بعد جهد جهيد، ووصلت إلى النجاح الذي يحلم به كثيرون وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في بذرة خير زرعتها في شاب من حولك ورأيتها تنمو وتتفاعل وتزرع بدورها بذرة خير أخرى في مكان آخر، وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في الأمل الذي تبثه في شخص يائس، لا لشيء إلا لأنك تؤمن بأنه يستطيع أن يكون سعيدا أيضا، وتبتهج أنت...
هل تبتهج حقا؟
موجودة في محتاج وجدك في وقت ضِيق، فكنت السبب في تفريج كربه، وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟
موجودة في مهموم لم يجد من يسمعه فكنت حاضرا تصغي إليه باهتمام، فخف عنه الحمل وابتهجت أنت...
هل ابتهجت حقا؟ 
موجودة في مصاب ابتلي بوفاة شخص عزيز عليه جدا، وأسرعت إليه تواسيه وترافقه في لحظاته العصيبة...

موجودة في الحب الذي يكنه لك كل هؤلاء - الطفل والشيخ والمرأة الضعيفة والزهرة والقط والشاب واليائس والمحتاج والمهموم والمصاب-  لأنك منحتهم مرة واحدة فقط شعورا بالسعادة بقلب صادق يحب الخير لجميع الناس. 

موجودة فيك عندما تستشعر بأن ربك هو الله العظيم وتتفكر في ذلك مليا... 
وإن أحبك الله...

السعادة تشبه العملة المتداولة بين الناس، أخذ وعطاء، إلا أنك كلما كنت كريما في عطائك تضاعف لك العائد وأحاطك الخير من كل جانب.

هي ذي بعض أوجه السعادة الحقيقية كما تصورتها، 
فأين تراها أنت؟ وكيف تراها؟ 

------------------
 الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

الخميس، 11 ديسمبر، 2014

عن موسوعة موضوع أحدثكم

استقبلتني واجهة موقع جميلة تجمع بين لونيين متناسبين وتصميم بسيط غير معقد، دخلت، فإذا بها موسوعة موضوع، موقع عربي واعد يحرص على الكمية والنوعية وجذب المستخدمين من خلال التصميم الحسن وسهولة الاستعمال.


ففي خضم الكم الهائل للمواقع الموجودة على الشبكة العنكبوتية، ومع المواقع العربية التي هي في تزايد حثيث، قد يقف المتصفح حائرا من أين يبدأ وفي أيها يثق!؟

إنك ربما تصادف موقعا إلكترونيا رائجا رواجا كبيرا، تنقب في محتواه فلا تجد فيه أهمية تستحق كل هذا الرواج. وفيما سوى ذلك، قد تجد له واجهة جذابة أو إعلانا مغريا أو تصميما ذكيا، وغيرها من العوامل التي تجذب الزوار إليه.
لكن عندما يتمكن موقع مثل موسوعة موضوع من الجمع بين الشكل الجميل والمحتوى البناء الهادف، فإنه سيكون الوجهة التي يسلكها العديد من المتصفحين والباحثين وحتى المشاركين.

نقاط ثلاث أراها ذات أهمية بالغة لكل موقع يصبو إلى تحقيق النجاح ومنافسة المتميزين: 

النوعية: جودة المحتوى سواء تعلق بفكرة بناءة أو بمعلومة صحيحة، فالفكرة عندما تتناول موضوعا حديثا، أو قديما من زاوية مختلفة، تمنح القارئ شعورا بالانتعاش الفكري، وتحثه على النظر إلى الأشياء من زوايا مختلفة. 
أما المعلومة الصحيحة، فينبغي الحرص على أصلها ومصدرها وما أكثر ما شاع مغالطة على أنه صحيح وتداوله الناس واعتقدوه بخطئه! وكل حاضر حقيقي يدوُّن حاليا يصير تأريخا للماضي مستقبلا، وكثير من أحداث الماضي لم توثق فطواها النسيان وصارت كأنها لم تكن يوما!
موقع موضوع يحرص على جودة المحتوى ويعتمد نظام ويكي في تحرير المقالات، حيث يتيح لكل مستخدم خاصية التعديل على المواضيع المكتوبة مسبقا، كما يمكنه من كتابة مواضيع جديدة ينشرها فريق الموقع بعد التحقيق في مصداقيتها ثم الموافقة عليها.

الكمية: على اعتبار أن موضوع هو موسوعة فإنه يتضمن عدة أقسام في شتى المجالات التي يمكن أن يبحث فيها القارئ العربي، وعلى أساس أنه يتيح لكافة المستخدمين إمكانية المشاركة بمواضيعهم، فلك أن تتصور عدد المقالات التي سيحتويها الموقع. 
ومن الأقسام التي تحتويها موسوعة موضوع: الأسرة، حكم وأقوال، مال وأعمال، رياضة، وغيرها.

اللغة السليمة: إن اللغة السليمة هي الجسر المتين الذي يضمن مرور المعنى المقصود إلى القارئ، وإنها من بين الأمور التي تحرص عليها موسوعة موضوع، فهي تكلف مجموعة من المدققين اللغويين بمهمة تدقيق مشاركات المستخدمين. ومع ذلك لا تخلو المشاركات من الأخطاء اللغوية، وذلك برأيي، راجع إلى صعوبة التحكم اللغوي في مقالات كبيرة العدد  تختلف مستويات لغتها باختلاف مستخدميها. آمل أن يتدارك فريق الموقع هذا الأمر حتى يلتحقوا بركب المواقع الساعية إلى النهوض باللغة العربية متميزين بميزة باتت نادرة هي اللغة السليمة.

على خلاف موسوعة ويكيبيديا التي توفر معلومات قد يصنفها بعض القراء بـ"الجافة"، تنشر موسوعة موضوع مقالات متنوعة ومعاصرة تنصبّ في اهتمامات كثير من الناس، إلى جانب معلومات أخرى يبحث عنها المتصفحون في مجالات مختلفة.

هي ذي المرحلة الحالية العربية لـ موسوعة موضوع الواعدة، ومن يدرِ؟ قد تترجم هذه المقالات العربية يوما إلى لغات أخرى حتى تكون لغتنا الجميلة لغة مصدرا في الترجمة، ولا تبقى دوما لغة هدفا على غرار ما هي عليه في موسوعة ويكيبيديا دونما مساحة بحجم ما تستحق فعلا.

الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

مرحلة المرآة لدى الطفل الصغير

منذ كانت ألفة في أشهرها الأولى، كنت أحملها قبالة المرآة من حين إلى آخر وكنت ألاحظ تغير تجاوبها مع من ترى في المرآة، كانت كثيرة الابتسام معها.
منذ فترة قصيرة، أحببت إلقاء نظرة على ما يقوله أهل الاختصاص في موضوع الطفل الصغير والمرآة. وكان أن وجدت مقالا يختصر ما يسمى بمصطلح مرحلة المرآة. المقال من موقع فرنسي، ترجمته بغية مشاركتكم إياه.


الطفل أمام المرآة 

مرحلة المرآة هي مرحلة مهمة في تطور هوية الطفل.
تمتعوا بجعله يقابل المرآة! فهذه العملية البسيطة هي مفيدة جدا في يقظته.
عادة ما يتحدث أطباء الأطفال أو الأطباء النفسانيون عن "اكتساب صورة الجسم"، إن هذه العبارة تعني الإدراك البطيء الذي يتيح للطفل أن تتشكل لديه صورة متكاملة عن أجزاء جسمه. فتدريجيا سيتعرف الطفل على صورته في المرآة ويميز جسمه بالكامل وليس بشكل مجزأ.
أكد العديد من الكتاب على هذه المرحلة من مراحل تطور الطفل، المعروفة بما يسمى "مرحلة المرآة". هنري وليام هو أول من استعمل هذا المصطلح، ولاكون كان من الأوائل الذين منحوا دورا أساسيا للتعرف على الصورة الذاتية في المرآة، وأكد بأن الأمر منوط بمرحلة حاسمة في تطور الطفل الصغير، ضرورة حتما في تشكل مفهوم الذات. فإن ألعاب المرآة إذن تقدم عونا ثمينا في يقظة الطفل.

الطفل الصغير يتعرف على نفسه أمام المرآة

مرحلة المرآة لدى الطفل من 4 إلى 12 شهرا:
الطفل هنا لا يتعرف إلى نفسه بعد، لكنه يتمتع بشريكه في اللعبة الذي يقابله مباشرة، وهو لا  يمتنع إطلاقا عن الابتسام لوجه أمه القريب من وجهه… دون أن يفهم فعلا أن الأمر يتعلق بمجرد انعكاس!

مرحلة المرآة لدى الطفل من 12 إلى 18 شهرا:
هنا يتوصل الطفل إلى القيام بإشارات لهذا الطفل الذي يقابله. هو يعتبره طفلا آخر يتحرك في الوقت ذاته الذي يتحرك هو فيه!
مع أنه يتعجب من كونه متناغما معه بهذه الدرجة...سيسعى بسرعة إلى محاولة لمس المرآة ليرى ما يوجد وراءها: يريد الإمساك بيد شريكه في اللعب ويحاول تقبيله! لا داعي لمحاولة منعه: قبلة المرآة هي أمر كلاسيكي معروف في اكتشاف الصورة الذاتية.

مرحلة المرآة لدى الطفل من 18 شهرا إلى سنتين:
ما يزال الطفل الصغير يعتبر صديقه المرآتي شخصا آخر. لكن هذا الصديق هو غريب الأطوار حقا: لا يريد حتى أن يأخذ اللعبة التي تقدم إليه!
هذه الصورة يمكن أن تمنحه شعورا بعدم الارتياح والطفل الصغير في المرآة يوشك أن يخيفه بعض الشيء: الطفل هنا بدأ يفهم أن هذا الزجاج فيه سرّ ما…

مرحلة المرآة لدى الطفل من سنتين إلى ثلاث سنوات:
مزيد من الخفايا هذه المرة: الطفل متأكد من ذلك، إنما هو انعكاسه الذي يقدم استعراضا على المرآة! إنه يتعرف على نفسه بكل سرور، لكنه محبط نوعا ما لعدم وجود الشخص الآخر. ويتناقص اهتمامه شيئا فشيئا بألعاب المرآة، إنه يفضل أصدقاء حقيقيين! حتى يلعب بأبلع ا بألعاب التركيب وبالدمية، ثم إن هذا عملي أكثر من ذاك... 

الطفل والمرآة: تقنية الدكتور لويس
طبيب النفس مايكل لويس نجح في تجربة فريدة لاكتشاف المرحلة التي يتواجد فيها الطفل من مراحل اكتشاف صورته. بإمكانكم القيام بها مع صغيركم لامتحانه! قدموا مرآة ليرى فيها صورته. بعد قليل من الوقت، اصرفوا انتباهه واغتنموا الفرصة لوضع قليل من أحمر الشفاه على أنفه. ستختلف ردة فعل الطفل باختلاف سنه. عند حوالي عام واحد، ينظر بانتباه ويلاحظ اللون الغريب على أنفه. عند حوالي 15 شهرا، يلمس المرآة محاولا محو الأثر الأحمر. ابتداء من 18 شهرا، يبدأ أخيرا في مسح أنفه الخاص! 

هل تعلم؟ 
عند حوالي عامين، يتوصل الطفل إلى التفريق بينه وبين الآخرين على صورة أو شريط فيديو.
عند حوالي ثلاث سنوات، يلعب الطفل مع خياله مدركا تماما أنه نسخته المطابقة. 

ملاحظة: إن أعجبتكم الترجمة، فلا تنسوا رابط خدمتي على موقع خمسات :)

الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

لم يفت الأوان بعد.

كثير من الناس يتمنون أن يكونوا من أهل الله وخاصته، هذا المقام العالي الذي تحف طريقه  صعاب غير هينة ومثابرة يومية وتجديد النية والإخلاص والهمة بصفة دورية، قل من يصمد فيه إلى آخر آية ثم يستمر إلى آخر نفَس.

معظم من يسلك هذا الطريق من الشباب وعلى العموم، من الناس غير المتقدمين في السن، فطاقات الذاكرة والحفظ تتراجع بدرجات متفاوتة مع تقدم العمر.


الحاجة ليلى خياطة ماهرة ذاع صيتها في مدينتها وأقبلت عليها النساء والعرائس من كل مكان، وعلّمت أفواجا من الفتيات حرفتها المميزة. ظلت سنوات تشق طريق النجاح في مهنتها إلى أن حل اليوم الذي زارتها فيه امرأة تطلب الخياطة، علمت الحاجة ليلى أن هذه المرأة حافظة لكتاب الله، فقالت لها –تقديرا لهذه المكانة التي تحسبها فيها- إنها ستخيط لها ما تريد مجانا. بعد ذلك، عندما علمت بوجود مكان تحفيظ غير بعيد، خطر لها أن تدخل حفيدها ذي الأربع سنوات على اعتبار أنه صغير وقد يرسخ آيات القرآن بسهولة. قصدت المسجد فأخبرها الشيخ المحفظ بأن فئة المتعلمين هناك لا تشمل الصغار، إنما هن فتيات ونساء؛ وأرشدها إلى مكان مجاور يهتم بتحفيظ الأطفال. وكان أن ذهبت إلى حيث أرشدها وسجلت حفيدها وصار يواظب على حفظ سور القرآن الكريم.

صنيع جميل وعمل خيّر، فهل هنا تنتهي الحكاية؟

بل هنا تبدأ الحكاية:

عادت الحاجة ليلى إلى شيخ المسجد وسألته إن كان بإمكانها أن تعكف على مزاولة الحفظ وتعلم الأحكام، رغم أنه قد مضى وقت طويل منذ آخر احتكاك لها بمقاعد الدراسة العربية أيام الاحتلال الفرنسي. أجابها أنه بالتأكيد ممكن! 

هي لم تنس تفوقها في الدراسة وهي صغيرة... بسبب نية الاحتلال الفرنسي في مسخ هوية العروبة والإسلام من الجزائر، لم تكن اللغة العربية تُعلَّم في المدارس فما بالك بالقرآن وتعاليم الإسلام! كان الآباء الواعون الحريصون على هوية أبنائهم الحقيقية يسجلون أبناءهم للدراسة في فروع جمعية العلماء المسلمين المنتشرة قدر المستطاع وبشق الأنفس. وكذلك ليلى، حرص والدها على تعليمها لدى الجمعية النشطة، لكن بعد بضع سنوات كان عليها أن تتوقف عن الدراسة، كانت متفوقة فأحضر لها والدها أستاذا يدرسها في المنزل. وكانت المفاجأة يوم أن عينوها لتكون معلمة وهي في حوالي الخامسة عشر من العمر، فالمتعلمون بالعربية كانوا قلة آنذاك. لكن والدها لم يقبل أن تعمل ابنته.

ماض مضى، داومت الحاجة ليلى على الحفظ والمراجعة واتباع توجيهات من يعلمها باهتمام، لم يكن سهلا عليها استرجاع خاصية استيعاب أحكام دقيقة جديدة عليها كليا، لكنها كانت تسير قدما بهمة عالية ولا تبالي، كانت نيتها التعلم والتقرب إلى الله تعالى، لم يخطر على بالها يوما أن تختم القرآن الكريم حفظا... إلى أن وصلت إلى الحزب الخامس والأربعين، فتوقفت هنيهة مع نفسها وتبادرت لها إمكانية إتمام ستين حزبا بالتمام... استبشرت خيرا، وتمنت أن تكرس جل وقتها للحفظ والمراجعة، فهي لشدة انشغالها بمهنة الخياطة كانت تقتطع من ساعات نومها من أجل القرآن، تستيقظ يوميا على الواحدة ليلا، والناس نيام، تحفظ وتثبت وتراجع إلى يطلع الصباح فتعود إلى الخياطة.

أصابها المرض وكان عليها إجراء عملية جراحية ومن بعدها الخضوع للراحة، فكان هذا هو السبب الذي جعلها تتقاعد عن امتهان الخياطة وتتفرغ نهائيا للقرآن، كما تمنت!

وبالفعل، وبنعمة من الله، أتمت الحاجّة ليلى حفظ كتاب الله تعالى وهي في الثاني والسبعين من عمرها. لقد استغرقت اثنا عشرة سنة كانت من أجمل سنوات حياتها، وهي الآن في مرحلة التثبيت والتصحيح.

همتها العالية والتزامها بحضور دروس حلقتها وتبكيرها الدائم هي خصال حية فيها، توقظ الحماس في نفوس الفتيات اللاتي يدرسن معها وفي أخريات من المسجد ذاته.

------------------ 
الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

الاثنين، 15 سبتمبر، 2014

هنية

قالت: قالوا إنه ذو خلق ودين ولا يوجد ما يعاب عليه. من المؤكد أنها استخارت الله قبل أن توافق على هذا الزواج، أما والداها فلا يريدان لها إلا كل الخير والسعادة. أمها تضع كفة القرار في أيدي الرجال، زوجها وأولادها، حسنا معها حق، فهي لن تعرفه أكثر منهم، ثم إنه "صاحب" أولادها.
ماذا بحث أشقاء الفتاة من جديد عن هذا المتقدم لخطبة أختهم الوحيدة؟
لقد اكتفوا بما كانوا يعرفونه فيه بادئ الأمر.


عندما تصاحب أحدا تكتشفه مع الأيام ومن خلال تجارب مشتركة في الحياة (مثل السفر أو التعامل المالي)، وإنك على العموم لن تسأل عنه حتى تقرر ما إذا كنت ستقبل صحبته أو صداقته أم لا؛ لكنه إن كان خاطبا فالأمر يختلف، وشتان بين معاملة الرجل للرجال ومعاملة الرجل للمرأة (وخاصة الزوجة!!). وللأسف قلة هم الرجال الذين يحسنون معاملة النساء وزوجاتهم...

فلم يسألوا عنه ولا اختبروا نظرته إلى المرأة ومعاملتها واطمأنوا إلى معرفتهم السابقة به، وقالت هي: من سأجد أفضل منه؟ ذو خلق وذو دين (هكذا قال إخوتي) ثم إنه صديق لهم، فبالتالي سيحسن معاملتي وعشرتي ويحترمني ويقدر الرباط المقدس... ظنت أنه يعرف معاني الدين وقيمه كما تعرف هي، بل اعتقدت أنه يعرف أكثر منها لأنه الرجل ذو الخلق والدين!!

وعقِد القران وأقيمت الأفراح وعمت البهجة الأجواء.
بعد أيام قليلة، بدأت درجة الفرحة تتناقص والابتسامة تخفت وشعاع سعادة الزواج والحياة الجديدة ينطفئ من عيني العروس. مع أنها: كانت تبذل كل ما في وسعها ليكون كل أفراد عائلة زوجها سعداء وراضون، ويجدر بالذكر أن إرضاء حماتها كان أحد أهم واجباتها! لأنها الآمر والناهي وصاحب كل الصلاحيات في المنزل أما الشيخ الكبير فكأنه غير موجود!

هنية فتاة مرحة رصينة عفوية في كلامها تحب الخير لكل الناس تعي جيدا أهمية رباط الزواج وواجباتها تجاه زوجها، واضحة وضوح وجهها المشرق، تبادر بالخطوة الإيجابية دوما...
هي تدرك أنها لن تجد بعد الآن رائحة بيت الوالدين الأول، قصدت البيت الجديد عازمة على معاملة أهله كأهلها تماما... لكن بيت الوالدين كان كله واضحا متفاهما متقبلا ونيته الخير.

مضت بضعة أشهر وهنية لم تحس يوما أنه مرحب بها هناك، لم تشعر بالأمان ولا بالسند، ظلت تقاوم الشعور بالوحدة حتى طغى، كاد المكان أن يرحب بها من كثرة خصالها الحميدة وسلوكها الطيب، لكن القلوب هناك كالحجارة الصماء، حتى الزوج لا يبدي محبة ولا يعترف بحسن صنيع ولا يقدر إنسانة وهبته كل شيء ولم تحصل على شيء...
بادرت كثيرا وصبرت على سوء المعاملة والإحباط يليه الإحباط وهي تقاوم وتقول لابد أن يتغير الوضع، لكن ليس في معاملتهم لها ما له صلة بالإنسانية... إلى أن طغى الشعور بالغربة عليها دون مواس ولا مربت...

ذهبت يوما إلى بيت أهلها لبضعة أيام، لكن قواها انجذبت إلى بيتها الأول الذي يحمل مواصفات البيت... ثبتت هنا ولم تستطع العودة إلى هناك، هناك الذي لا تربطها به أية صلة أو إحساس...

بقيت لفترة غير قصيرة مذهولة متسائلة: لكن إخوتي يحسنون معاملة زوجاتهم... لكن أمي لا تتدخل أبدا في شؤونهم الخاصة مع أننا جميعا (كنا) نعيش في بيت واحد...

------------------
 الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

الأحد، 31 أغسطس، 2014

فرحة النجاح

أشخاص يحبون لك ولجميع الناس كل الخير، يبتسمون بقلوبهم وإن هم أعجبوا بحسن صنيعك لم يجدوا بدا من إخبارك به، لا تعاني أنفسهم من مرض الأنانية أو الغيرة أو الحسد أو الكبرياء... وجوه فتية نيرة، نورها من نور كتاب الله.

اليوم هو الحفل التكريمي السنوي، في مسجد ابن جلول، لكل من جد وبذل فجنى ثمرة تعبه وسهره سواء في القرآن أم في المدرسة؛ والمسجد من شأنه أن يحتفل بكل نجاح فيه خير وصلاح.


صغيرتي بل كبيرتي :) التي صار عمرها بعدد أصابع اليد، حازت على المرتبة الثالثة في فئة حزبين، كانت تنتظر الجائزة بشوق وفضول كبيرين. كنت أحدثها منذ قليل وقالت لي إنها لم تكن تعتقد أنهم سيعطونها جائزة، وإنها فرحت كثيرا بها وكذلك بهديتنا (أنا ووالدها) لها.

قلت لها: أرأيت فرحتك بهاتين الهديتين؟
قالت: نعم.
قلت: إن ما سيهبه الله لك سيمنحك فرحة لا تقارن بهذه الفرحة.
فتحت عينيها جيدا وتأملت فيّ وفيما أقول بإعجاب وسرور يخالطهما تساؤل وتفكر...
رائعة أنت يا بنيتي :)
بعد لحظات أردفت قائلة: لا أعرف كيف هو الله ولا أستطيع تخيله!
قلت: النظر إلى وجه الله نعمة وحظوة لا ينالها كل الناس، ومن أرادها عليه بالعمل والإخلاص والدعاء بذلك.
وقصصت عليها قصة النبي موسى –عليه السلام- "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" (الأعراف، 143).

شكر جزيل لزميلة في المسجد، تركت في نفسي انطباعا جميلا راقيا بفرحتها الصادقة التي وصلت بالإحساس قبل أن تصل بالكلمة، قالت إنها صدفةً وجدت مدونتي فأعجبت بها وسألتني إن كنت صاحبتها. أشكرك لصدق إحساسك الذي بث في قلمي نفَسا جديدا.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...