الأربعاء، 7 مارس، 2012

هل صورتك واضحة ؟


حقيقة عندما يُطلب إلى المرء أن يصف نفسه، يجد الأمر غير سهل على الإطلاق، يكتب عبارة ثم يتراجع فيمحوها، يسرد وصفا ثم يتساءل إن كان ينطبق عليه فعلا..


لا أتحدث عن الحالات التي لا يفهم فيها المرء نفسه جيدا أو عن الذي يرى شخصه مرموقا فيأبى أن تقلل الكلمات من شأنه، إنما مرد الصعوبة أن الإنسان تركيبة متشابكة جدا من الأفكار والمشاعر والمعتقدات والتبدلات.. لذلك كان من المفيد أن يعرّف به شخص مقرب إليه يكون ذا نظرة معتدلة، وحيث إن هؤلاء الأشخاص باتوا قلة كان على صاحب التعريف أن يجمع رؤى المقربين إليه ممن يثق فيهم، ويعزم على الحكم بموضوعية على نفسه، فيوافق على ما هو فيه ويعترض على ما ليس فيه مراجعا تصرفاته التي أوصلت معنى لم يقصده إلى الآخرين. إن هذه الطريقة، من جهة، تلفت نظرك إلى خصال فيك إيجابية قد تراها أنت عادية، ومن ثمة تعززها من منطلق كونها تسعد أو تساعد الآخرين، ومن جهة ثانية، تنبّهك إلى سلوك تضر به من حولك دون قصد، فتصلحه. على العموم تفتح لك هذه الطريقة أفقا مغايرا لأفقك، إن أنت تقبلت الرأي الآخر ولم تتحامل على من نقدك قاصدا الخير، أفقا ينبثق منه تطور جديد في شخصيتك وحسن خلقك مع من حولك.. تجعلك هذه الطريقة أيضا تنظر إلى نفسك من زاوية الآخَر غير تلك المتمحورة في الذات والأنا، أعرف أنك لست أنانيا ولا تريد أن تكون كذلك، إنما هي طبيعة النفس البشرية التي إن لم تتعهدها بالرعاية المستمرة تدحرجت بك إلى حضيض الصفات غير الراقية (تجنبت أن أقول مبتذلة :))

وما مناسبة هذا الحديث؟ مناسبته أني منذ أنشأت مدونتي وأنا عازمة على وضع صفحة "من أنا" التي يفترض أن تكون ضمن الصفحات الثابتة في أي مدونة حتى توضح للقارئ أو المتابع صورة هذا الذي يقرأ له. منذ حوالي شهرين، كتبت موضوعا من أجل هذه الصفحة لكنه لم يعجبني ولم أدر ما جانب النقص فيه، ثم بعد ذلك لم أجد وقتا آخر أخصصه للكتابة عن نفسي :)

في نهاية الأمر لابد أن أخرج بقرار، قررت أن أكتب كلمات بسيطة ومباشرة في هذه الصفحة تمثل مجموعة من المعلومات عني، ثم إن تسمية "من أنا" لا تروق لي ولا أجدها مناسبة، أفضل استعمال "عن المدوِنة". وتبقى الصفحة قابلة للتعديل في أي وقت.

لنعد إلى حديثنا، جرب هذه الطريقة وستلمس مكامن المتعة فيها، لكن قبل ذلك عِد نفسك بتحري الموضوعية واعزم عليها مسبقا، وإلا فلا داعي لخوض التجربة!

لقد كان لي في تاريخ خطوبتي تجربة شيقة ومفيدة معها، عشتها مع خطيبي، بغية أن يتعرف كل منا على محاسن ومساوئ الآخر بشكل موضوعي. اتفقنا على أن ينقل كلانا آراء المقربين ممن حوله تماما كما يرونها، فطلبت إلى عدد من الصديقات المقربات وشقيقتي ووالديّ أن يكتبوا لي ما يجدونه فيّ من سلبيات وإيجابيات، منهم من استغرب ولكنهم استجابوا جميعا، كلّ على طريقته، وأعجبوا بالفكرة. وفي مقابل ذلك، فعل خطيبي الشيء ذاته وساعدتنا التجربة في تقريب الصورة والرؤية بعين الموضوعية.

وهي فكرة أعرضها، من خلال تجربتي إياها، على الخاطبين والمخطوبات حتى يختصروا المسافات ويتجنبوا سوء التفاهم المحتمل وتتسم علاقتهم منذ البداية بالوضوح والصراحة.

فكر في الأشخاص المقربين إليك وخذ بعين الاعتبار نظراتهم الواعية للأمور وبدرجة أقل أعمارَهم. اطلب إليهم أن يسجلوا على الأوراق قائمة المحاسن وأخرى للمساوئ التي يرونها فيك بكل موضوعية ودون مبالغة أو إغفال، بالتأكيد هم سيجدون الكثير ليخبروك به، لم تسنح لهم الفرصة قبل ذلك أو كانوا متخوفين من ردة فعلك أما الآن فقد أنرت لهم الضوء الأخضر :) وأنرت لنفسك ضوء إصلاحها. للأسف عادة الثناء على الخصال الحميدة ليست منتشرة كثيرا بين بني البشر، وكأنها خصال بديهية أو واجبة !! ربما منها ما هو واجب لكن ذلك لا يعني أن حاملها لا يستحق المدح أو الشكر على الأقل. لا تقلق في هذه التجربة ستعرف أن من حولك منتبهون لصفاتك الطيبة مقدرون لها.

ركز على خاصية أن يكتبوا لك على الأوراق، لأنها ستكون أكثر حميمية وسيتسنى لك الاحتفاظ بها لوقت طويل والعودة إليها بين الحين والحين، خاصة عندما تلتبس عليك الأمور. في النهاية ستجد أن أغلب من شارك في التجربة يود منك أن تقدم له محاسنه وعيوبه أيضا، حينها أبشر فقد أبليت حسنا، لكن تحقق من شيء واحد "ألاّ تبقى الكلمات حبرا على ورق".

إن لم يكن سبق وأن جربت هذه الطريقة، فجربها واستفد منها وأطلعني بما كان معك..

واسأل نفسك، بينك وبينها، هل تملك الجرأة كي تقول كما قال عمر رضي الله عنه:"رحم الله امرَأً أهدى إلي عيوبي" ؟

7 التعليقات:

ابن السور يقول...

راودني هذا الشعور طويلا
فمنذ عام 2009 وحتى امس الاول
لم استصغ كلمتي من انا
ولم اجد شيئا مميزا عندي
حتى يمكن ان اكتبه
مع هذا كان لابد ان استجيب
لهذه الخدمة التي تعرف الناس بي
لذا كتبت ارائي في الاسئلة المطروحة
وتركت اي شيء اخر
لا اراه يستحق الاهتمام
هذه البنت رائعة
وسبب روعتها حساسيتها
وجمال حساسيتها انها صادقة
وهي تريد تعبير اخر
كي يتفق مع صدقها
تابعوها فهي تستحق الاهتمام

Haitham هيثم Al-Sheeshany الشيشاني يقول...

كلام جد جميل
أنا أحاول تطبيق ال"ميزان" و سؤال من حولي عن إيجابياتي و سلبياتي التي يرون.

كنت أفعل ذلك في نطاق العمل و الآن في كل دوائر الحياة.

أشكرك

أبـجـديات بندر الاسمري يقول...

اعجبتني فكرتك ونصيحتك للمخطوبين.

وفعلا صورتي عن نفسي يلفها الكثير من الضبابية ..

لك تحياتي ...

د.سمر يقول...

جميل جدا
أشعر أيضا أن التقنية تساعدنا في تقبل الانتقاد واكتشاف انفسنا
فمثلا من خلال الإجابة على أسئلة فورم سبرينج نعرف أشياء عن أنفسنا لم نفكر فيها مسبقا
وفي خدمة مثل ( Say at me ) يمكنك أن تنتقدني بدون إحراج :)

وتظل مواجهة المرآة هي العمل الأصعب !
شكرا على تذكرتنا بوجوب خوض مغامرة اكتشاف أنفسنا :)

mohammad nabiel يقول...

قال رسول الله صلى الله عليه وسل " المؤمن مرآة أخيه " ..

إنه أعظم وصفٍ ممن أوتى جوامع الكلم ( عليه الصلاة والسلام ) لرقى العلاقة التى ينبغى أن تجمع بين المؤمنين , وغفل عنها الكثيرون.

أخى الفاضلة نوال ..

قرأت صفحتك " عن المدونة " وأعجبتنى جداً أهدافك من التدوين , وفجزاكك الله خيراً.

أسأل الله لك التوفيق والسداد وأن يبارك لك فى أسرتك ووالديك.

د. إيمان يوسف يقول...

وبعد مقالتك الأكثر من رائعة
لم يختلف تعريفي لنفسي
لكنني وثقت من نفس التعريف السابق أكثر
فأنا .....
"الباحثة عن النور"

مودتي أيتها الرائعة

L.G. يقول...

أنعم الله على بالدخول لبعض المدونات العربية فأنت الأولى عندي من الجزائر وسعدت بذلك الفكرة جد مفيدة لدرجة كبيرة وتساعد الانسان على التعديل من نفسه بسؤال الآخرين كيف يرونه
دمت بكل ود وخير
تحياتي

إرسال تعليق