الاثنين، 30 أبريل 2012

ربات البيوت

بالتأكيد لن تمر بشارع أو حي أو مكان مأهول (على أبسط طرح) إلا ويديره عدد لا يستهان به من ربات البيوت، وبما أن مستوى الإدارة يتوقف على كفاءة صاحبها، فهن إما يقدن الرعية إلى الازدهار أو إلى الانحطاط أو أنهن لا يغيرن شيئا تاركات الركب يسير في اتجاه الريح والعشوائية !

ما يؤسفني هو أن كثيرا منهن لا يقدّرن هذه الحظوة ومنهن من لا تراعي حجم المسؤولية التي يعنيها فتح بيت تكون هي ربته وتتقاسم فيه مع شريكها العمل حتى يكون بيتهما أسعد وأنجح بقعة تمثل لكل فرد من الأسرة ملجأ الأمان والاستقرار والاكتفاء، تنبثق منه مشاريع الخير والسلام والإصلاح في الأرض..


إذا سألت فتياتنا واحدة واحدة عن تصوراتهن للمستقبل، حتى لا أقول أحلامهن، ستجد أن ربة البيت والعائلة جزء أو كل من ذلك المستقبل... لكني أتساءل هل يكفي ما علمته لها والدتها، على اعتبار أنها قدوتها في حياتها، قصدا أو عن غير قصد، لتكوين أسرة وإدارتها؟

يتحدث الجميع عن الإدارة، فئة كبيرة صارت مهووسة بإدارة المؤسسات، وآخرون يتحدثون عن إدارة الوقت وغيرهم مهتمون بإدارة الأموال وهناك من أخذ على عاتقه إدارة العالم !! أما إدارة البيت والعائلة فمن يبالي؟ وحدها ربة البيت الواعية هي التي تكفلت بالأمر في هدوء واجتهاد، تنهض من الصباح الباكر تسعى لنظافة بيتها وقاطنيه، تفكر في صحتهم وسلامتهم وسعادتهم، تجد الاستقرار في استقرارهم والنجاح في نجاحهم والفرحة في فرحهم...

تأمل في الطفلة الصغيرة تلعب بدميتها وترعاها وتطعمها وتنظم المكان كأنه بيتها وتجعل لكل لعبة دورا، وتنزعج أيما انزعاج إن أتى صغير أو كبير أفسد لها شيئا أو أبعد لعبة عن المكان التي وضعتها فيه... وكأنها خبيرة إدارة بالفطرة، نعم هي أكيد فطرة فطرها خالق الكون فيها حتى تكون على استعداد للنهوض بفضائل هذه المهمة النبيلة.. لكن هل تكفي هذه الفطرة لضمان أداء جيد؟ لم لا تهتم مراكز التدريب والتكوين بتأهيل ربات البيوت وتعليمهن بعض المهارات الأسرية لعلها تنير جانبا أظلم في هذا الدور المحوري لربة البيت، ولعلها تحث النساء على التنافس فيما يستحق التنافس والرقي وعميق الاهتمام بدلا من التنافس في الزينة واللباس والمظاهر..

إذا أردت أن تتبين حجم ما تبذله ربة البيت من مهام، لك أن تلقي نظرة على حال البيت وأفراده إن هي مرضت فكانت طريحة الفراش، الأواني في المطبخ تنتظر التنظيف والأشياء متناثرة هنا وهناك، الأولاد متذبذبون بين مساعدة أمهم وإنجاز واجباتهم المدرسية، والزوج خاصة الذي لم يتعود على الاعتماد على نفسه في القيام بعض الأعمال البسيطة، حائر بين العمل ومساعدة زوجته وشؤون الأولاد.. ثم وبمجرد أن تشفى الأم وتعود إلى مهامها يتنفس الجميع الصعداء :)

رغم الدور العظيم الذي له عميق الأثر على الفرد والعائلة والمجتمع، إلا أن مكانة هذه المهنة النبيلة لم تعد تحظى بالدرجة المرموقة في القلوب والتصورات والآفاق كما في الماضي، بل وصلت تفاهة التفكير وسطحية الاتجاهات بإحداهن أن تستبشر قائلة من خلال حصة إذاعية موضوعها كان عن المرأة : ‘‘ الحمد لله لقد صرنا نحن النسوة جميعا في الشارع ‘‘ تعبير مقزز بالمعنى المباشر والمكني الذي تقصد به تحرر المرأة صوريا !!

شتان بين من تعتبر بيتها جنة وبين من تراه سجنا يحول بينها وبين طموحاتها التي لا تشمل حلم الأسرة الناجحة والبيت السعيد. القضية هنا ليست قضية عمل المرأة أو مكوثها في البيت، فكثيرات هن اللاتي اضطرتهن ظروف الحياة للعمل لكنهن حافظن على أولوية مصلحة بيوتهن، القضية قضية فارق في القناعات والأولويات والصورة النمطية التي يصورها المجتمع والإعلام عن العاملة والماكثة بالبيت.

من ربات البيوت من لا ترى في فتح بيت وأسرة أي معنى ولا تعير له أدنى اهتمام، تفوض شيئا من أمور البيت للشغالة وشيئا آخر لأمها أو المربية وآخر للطباخة وآخر للمدرّسة الخاصة.. وقد تكون هي إحداهن في بيت آخر، المهم بالنسبة لها ألا تكون ربة بيت وفقط ! أما مرادها الأول من الزواج فلم يكن إلا جسرا لتحقيق مصلحة ما.

هناك نوع آخر من ربات البيوت، تقوم بكل شؤون البيت والأولاد والزوج وتمنحهم الحب بالفطرة، ولا ترى فيما تقوم به تميزا أو فضيلة إنما تعتبره أمرا لابد منه وأن الحياة تسير هكذا وكفى، وتعتبر نفسها أقل شأنا من النوع السابق ذكره وأنه ليس بوسعها أن تكون في مكانة أخرى أرقى.

أما ربة البيت الواعية فهي التي تقدّر كل ما تقوم به نظرا لأهميته وتسعى لتطويره باستمرار، واختارت تكوين أسرة عن دراية بمعناها وقناعة بأبعادها، تسير في سكينة وتتعامل بحكمة وتربط أداءها برسالة روحانية سامية، تستمتع بما تفعل وتطبع عليه لمسة المحبة والجمال..

لا يعني كون ربة البيت الناجحة جزءا لا يتجزأ من أسرتها عدم وجود عالمها الخاص، بل هو أمر ضروري يحقق لها التوازن الداخلي والإرضاء النفسي الذي لا يعيشه من يشعر أنه محروم من الأشياء التي يحب ممارستها من رياضة أو كتابة أو هواية أو أي نشاط منفصل عن أعمال البيت وشؤون الأسرة. وكما قلت في الفقرة الرابعة إن استقرارها من استقرارهم ونجاحها من نجاحهم وفرحتها من فرحهم، فكذلك استقرارهم من استقرارها ونجاحهم من نجاحها وفرحتهم من فرحها..

ليست ربة البيت مخلوقا يجب أن تتحقق فيه صفات الكمال، إنما هي وحدها التي تعرف ما يلزم بيتها ليكون أجمل مكان وما يلزم أحبابها ليكونوا أسعد الناس، تتعلم من الكتب والتجارب وتطور مهاراتها في التعامل والتربية ومواجهة الصعوبات. ويبقى الحب أهم عنصر تحيا به الأسرة وتستلهم من فيضه كل المعاني السامية والمعاملات الراقية..

--------------------
الصور المرفقة مع التدوينة رخصها تتيح لي استعمالها، وهذه مصادرها: 1، 2، 3

7 التعليقات:

dodo, the honey يقول...

عزيزتي نوآال ..

أعجبتني التدوينةُ هنآا ..
و لأخبركِ صراحة بأن أحلامي الكثيرة ليس من ضمنها أن أكونَ ربة بيت !
:)
لا أزال في الخامسةِ عشرة ..
لذلكَ فهذه المعاني و إن كانت لمن هم أكبر مني سنًـا،
إلا أنها أعجبتني :)
سأنصحُ أحدًا ممن أعرفهم بها !

فبالطبع يجب أن تكونَ ربة البيتِ واعيةً بدورها العظيم الذي تلعبه ،
الذي يتوقف عليه بناء الأجيال ..

هامش : بانتظار رأيكِ في قصتي " الموعدُ الأوّل " !

دمتِ بحبــْْ~

تحيآاتي لكِ ..

ولاء يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هنئياً لأسرة أنت تديرينها ...:)
الحقيقه أجد متنفساً هنا وشعوراً جميل لنيل شيء من المثالية ...
أحب الأم التي تسعى لتطور نفسها لترقى بتربية أبنائها ..رغم كل الروتينين حولها ..
دمت عزيزتي بألق .

Haitham Jafar يقول...

يا ليت ربات البيوت يقرأن ما كتبت و بتمعن

أشكرك جدًا

منجي باكير يقول...

في الاخير ربة البيت هي الام !
و الامّ هي القلب النابض للاسرة و المجتمع و الحضارة ايضا
فالام : الام مدرسه اذا اعدتها اعدت شعبا طيب الاعراق!
لو تدرك ربة البيت عظم الرسالة لحبست كل النساء انفسهن للاضطلاع بها ...

تقديري

منجي / صاحب الزمن الجميل

كريمة سندي يقول...

عندما كنت ربة بيت كأنت أسرتي محور حياتي كلها .. وقد كنت أكتفي بالقراءة وتنفيذ بعضه على اسرتي الصغيرة أما الآن بعد أن فقدت طعم ألسرة أجد نفسي خاوية قليلا .. ربما هو بعد أطفالي عني هو السبب الرئيسي قد يكون كذلك.

المهم أن طرحك هادف لقضية أصبحت تعاني منها كثير من الأسر تحياتي الصدقة غاليتي

شهرزاد المصرية يقول...

طرح موفق يا عزيزتى و بالفعل النساء يتعبن كثيرا فى العمل داخل بيوتهن فهى وظيفة مهمة تتوقف عليها حياة اهل البيت و للاسف لا ينلن من التقدير ما يستحققنه

تحياتى

نوال يقول...

دعاء
جميل أنك قرأتها وأنت في الخامسة عشر من عمرك، قد تستعملينها لاحقا بإذن الله :)
عن قصتك "الموعد الأول"، تم التعليق عليها في حينه حسب رأيي المتواضع..

ولاء
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وهنيئا لي بتواجدك هنا :)
الأم التي تفعل ذلك هي التي تصنع الفرق وتقضي على الروتين

هيثم
:)
شكرا لك ولتقديرك

منجي باكير
للأسف حجم الرسالة هذه غائب عن صاحباتها
شكرا على مداخلتك الطيبة

كريمة سندي
لا أبعد الله عنك أطفالك أبدا عزيزتي الغالية...
كان الله معك وفي عونك..

شهرزاد
حتى من يقدّر حجم ما تنجزه ربة البيت ينسيه التعود عليه، فكان عليه إذن أن يعوّد نفسه على التقدير :)
دمت بخير

إرسال تعليق