الثلاثاء، 29 يناير، 2013

لن يحظوا برفقتكم الأبدية


خوف الآباء الدائم على الأبناء وحبهم الكبير لهم يدفعهم إلى إحاطتهم بدائرة من الحماية تصاحبهم حيثما ذهبوا، في بعض الأحيان تكون هذه الدائرة مجرد خيط رفيع لا يظهر للابن ويالتالي لا يزعجه ولا يقف أمام تقدم شخصيته في الحياة، لكن في أحيان أخرى تشابه هذه الدائرة سورا عاتيا له باب مفتاحها بيد صاحب الولاية يفتحها متى شاء ويقفلها متى شاء، إن فتحها الولي تنفس الابن هواء جديدا ورأى منظرا غير الذي ألفه، وإن لم يفتح أغمض عينيه ونام وهو لا يدري إن كان سيُطلب بعد هنيهات أم بعد سبات عميق.. وهو في كل الحالات لن يبالي فقد أتعبه الركض نحو السراب وفضل أن يوهم نفسه بالاستقرار على الشعور بالقلق وعدم الثقة في النفس والتبعية والضياع والرتابة...

لا تعتقد أن الصورة خيالية أو أن النتائج لن تكون بهذا السوء ! 


إنهم يتصرفون وكأنهم سيكونون إلى جانب أولادهم دائما، في كل المواقف وفي كل الأوقات وتحت أي ظرف، مع أنه في لحظة من اللحظات قد تتمنى الأم أن يتمكن ابنها من لبس حذائه بنفسه دون أن تضطر هي في كل مرة إلى أن تستغرق وقتا إضافيا لتلبسه إياه، وقت يمكن استثماره في عمل أمور أخرى، وفي لحظة ثانية قد يتمنى الأب أن تتحلى ابنته الصغيرة بالشجاعة الكافية حتى تتمكن من السير في الظلام من غرفة إلى غرفة لوحدها دون أن تخاف..

ما أجمل أن تشعر بثقة ابنك في نفسه وسعيه للاعتماد على استقلاليته، هي الفطرة التي رأيتَها فيه منذ كان صغيرا لم يجاوز العام الواحد يأخذ منك الملعقة وأنت تطعمه لأنه يريد أن يتذوق لذة الاعتماد على النفس أكثر من رغبته في تذوق الطعام !

نحن عندما نتعود على اعتمادهم علينا نألف ذلك جدا ونستأنس ويعطينا ذلك شعورا بالسيطرة على الوضع وأن كل شيء في مكانه. لكن الحياة مراحل نحو الحرية فالجنين وهو في بطن أمه يشعرها بأنه قطعة منها يرتبط مصيره بمصيرها وتنفسه بتنفسها، فإذا خرج إلى الوجود أحست بالفراغ في جسدها وروحها ثم ما تلبث أن تعوض ذلك الفراغ بارتباط أقل درجة هو رباط الرضاعة الذي يشعرها بأنها المسؤولة الأولى عن تغذيته، وما سوى ذلك: صار يتنفس مستقلا ويبصر مستقلا ويسمع مستقلا.. وتتطور الحواس شيئا فشيئا، ففي حين أنه كان لا يقوى على مسك الأشياء بيديه صار مستقلا في ذلك أيضا، ثم في حين أنه كان يعتمد في التنقل من مكان إلى آخر على غيره صار مستقلا في المشي كذلك..

يبدأ التعود على الاعتماد على النفس من مراحل الحياة الأولى، في الأشياء الصغيرة طبعا من مثل تركه يجلب لعبته التي سقطت بنفسه، رغم أن نية الأم أو الأب إن أحضراها له هو توفير التعب عليه أو اعتقادا منهما أنه لا يستطيع بعد !! كلا، إن أردت تسمية هذا بالتعب فدعه يتعب، سيتعلم معنى البذل والعمل لتحقيق المراد ويفهم تدريجيا في يومياته أن الحياة ليست بالسهولة التي يصورها له حضور الأشياء مباشرة إليه دون عناء وأحيانا دون أن يطلبها حتى !

عندما يتعلم الطفل الكلام يكون قد مر بمرحلة فهم ما حوله وما يخاطَب به، ويصبح في استطاعته الرد على الآخرين والتعبير عن آرائه مهما كانت بسيطة في نظر الكبار، اترك له فرصة التعبير عن ذاته ولا تتكلم مكانه ولا تصحح له أخطاءه علناً أمام الملأ، اهمس له في أذنه إن كان هناك التباس لديه حتى لا تنقص من شعوره بثقته في نفسه.

كثير من التفاصيل الدقيقة في طريقة التعامل وإحساسك تجاه قدرات ابنك واعتقادك فيه وفي تصرفاته قد لا تلقي لها بالا ولا ترى لها أهمية، لكنها حتما تصل إليه وتؤثر فيه عميق الأثر لأنك قبل أي شخص آخر المرآة الأولى التي يرى من خلالها نفسه والعالمَ أجمع.. احرص على أن تكون أفكارك واضحة تماما وتعاملك مستقيما حتى يكون البناء الذي تشيده قويما سليما. 

ونحن نعيش مع أبنائنا الأحباء لا نتصور أننا قد نفارقهم في أي لحظة، ونحن بالتأكيد لا نريدهم أن يبقوا حيارى أو ضائعين أو متوكلين من بعدنا.. نريدهم شعلة من النجاح والتفوق والثبات ووضوح الرؤية يقودون أنفسهم في سداد ويساهمون في قيادة العالم إلى الخير حيثما كانوا وحتى ولو لم نكن إلى جانبهم...

------------------
الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

8 التعليقات:

Haitham Jafar يقول...

مرحبا بالعودة
و يا لها من عودة!

كل ما في الإدراج راقني، و كثيرًا. و إن كان لي أن أختار (مفضلة) منه لقلت أن الفقرة التي تبدأ ب (نحن عندما نتعود على اعتمادهم علينا...)

أظن ذلك مرده لطبيعة البشر الاستحواذية، هكذا أرى!

في بعض الثقافات (و الشيشانية منها) لا يكون الأب في تواصل مع الأبناء بل على العكس ينفصل عنهم قدر الإمكان. مرد ذلك ان الأب في أي لحظة سيغادر نحو حرب "ما" و التعلق سيجعله ضعيفًا و بفكر بأبنائه و لا يبذل الوسع للموت في سبيل الوطن بل سيجاهد للبقاء ليراهم ثانية.
أنا لا أقصد من ذكر هذا أنه عمل صائب و لكن تذكرت ذلك و كيف أن الأبوين ضعيفون (بالمعنى العميق للكلمة) أمام فلذاتهم و أحيانًا كثيرة ما يضر ذلك بالأبناء (الحذر الزائد و خلافه)
--------
يجب الإحاطة بأمورهم و لكن ليس خنقهم/نّ!
-------
تعرفي يا أخت نوال، اليوم ميلاد ابننا الصغير. أتم الواحدة اليوم! و مثالا الملعقة + اللعبة بل و كل فكرة في تدوينتك (ضربت) وترًا حساسًا أو وترين! أشكرك.

نوال يقول...

حفظ الله لكما أنس الحبوب وأطال في عمره بصحة وسعادة وسؤدد وأعانه على جلب لعبته بنفسه:)

الانفصال التواصلي للأب عن أبنائه في الثقافة الشيشانية حسبما ذكرت له سبب الحرب المؤسف، ولو كان غير منطقي أو وجيه، لكن تقريبا في كل المجتمعات العربية تجد شاكلة من الآباء الذين لا يتواصلون أيضا مع أبنائهم ويضعون حدودا فيما بينهم يرجعونها إلى الحفاظ على الهيبة والاحترام أو العادات والتقاليد، هل يكونون قد توارثوا ذلك من الحروب السابقة كذلك؟ ربما.. لكن مما لا شك فيه أن في قضية إظهار الأب حبه لابنه التباس كبير في الأوساط العربية وربما غيرها أيضا.. يبدو أن الحديث ساقني إلى موضوع آخر :)

شكرا لك أخي ولمتابعتك الوفية والمتفاعلة.

Haitham Jafar يقول...

شكرًا لك و حفظ لكم ابنتكم و أحبابكم.

موضوع آخر و لكم أظنه متصلًا، و بقوة!

"قد توارثوا ذلك من الحروب السابقة كذلك؟" <== أظنه عاملًا قويًا.

Haitham Jafar يقول...

* ولكن و ليس ولكم! (في تعليقي الثاني). :)

نوال يقول...

لابأس، لا ضير في ذلك، وصل المعنى أخي هيثم:)

faroukfahmy58 يقول...

نوال
موضوعك اضاف الى معلوماتنا الكثير وخاصة من نفس مرت بهذه التجربة الحيه
تحليل موفق ومعلومات رفيعة التحليل والتدقيق
سمحت لنفسى ان اكون من متابعينك حتى اتواصل مع اعمالك التحليلية

نوال يقول...

فاروق فهمي

سعدت بمتابعتك أستاذ فاروق وأتشرف برأيك فيما أكتب

أهلا بك متابعا متواصلا

خوله يقول...

بارك الله فيك وحفظك نوال
مدونة ثرية بمواضيعها الجميلة

وفقك الله

نسأل الله أن يبارك لنا في ذرياتنا
ويجعلهم من الذرية الصالحة

إرسال تعليق