الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

لم يفت الأوان بعد.

كثير من الناس يتمنون أن يكونوا من أهل الله وخاصته، هذا المقام العالي الذي تحف طريقه  صعاب غير هينة ومثابرة يومية وتجديد النية والإخلاص والهمة بصفة دورية، قل من يصمد فيه إلى آخر آية ثم يستمر إلى آخر نفَس.

معظم من يسلك هذا الطريق من الشباب وعلى العموم، من الناس غير المتقدمين في السن، فطاقات الذاكرة والحفظ تتراجع بدرجات متفاوتة مع تقدم العمر.


الحاجة ليلى خياطة ماهرة ذاع صيتها في مدينتها وأقبلت عليها النساء والعرائس من كل مكان، وعلّمت أفواجا من الفتيات حرفتها المميزة. ظلت سنوات تشق طريق النجاح في مهنتها إلى أن حل اليوم الذي زارتها فيه امرأة تطلب الخياطة، علمت الحاجة ليلى أن هذه المرأة حافظة لكتاب الله، فقالت لها –تقديرا لهذه المكانة التي تحسبها فيها- إنها ستخيط لها ما تريد مجانا. بعد ذلك، عندما علمت بوجود مكان تحفيظ غير بعيد، خطر لها أن تدخل حفيدها ذي الأربع سنوات على اعتبار أنه صغير وقد يرسخ آيات القرآن بسهولة. قصدت المسجد فأخبرها الشيخ المحفظ بأن فئة المتعلمين هناك لا تشمل الصغار، إنما هن فتيات ونساء؛ وأرشدها إلى مكان مجاور يهتم بتحفيظ الأطفال. وكان أن ذهبت إلى حيث أرشدها وسجلت حفيدها وصار يواظب على حفظ سور القرآن الكريم.

صنيع جميل وعمل خيّر، فهل هنا تنتهي الحكاية؟

بل هنا تبدأ الحكاية:

عادت الحاجة ليلى إلى شيخ المسجد وسألته إن كان بإمكانها أن تعكف على مزاولة الحفظ وتعلم الأحكام، رغم أنه قد مضى وقت طويل منذ آخر احتكاك لها بمقاعد الدراسة العربية أيام الاحتلال الفرنسي. أجابها أنه بالتأكيد ممكن! 

هي لم تنس تفوقها في الدراسة وهي صغيرة... بسبب نية الاحتلال الفرنسي في مسخ هوية العروبة والإسلام من الجزائر، لم تكن اللغة العربية تُعلَّم في المدارس فما بالك بالقرآن وتعاليم الإسلام! كان الآباء الواعون الحريصون على هوية أبنائهم الحقيقية يسجلون أبناءهم للدراسة في فروع جمعية العلماء المسلمين المنتشرة قدر المستطاع وبشق الأنفس. وكذلك ليلى، حرص والدها على تعليمها لدى الجمعية النشطة، لكن بعد بضع سنوات كان عليها أن تتوقف عن الدراسة، كانت متفوقة فأحضر لها والدها أستاذا يدرسها في المنزل. وكانت المفاجأة يوم أن عينوها لتكون معلمة وهي في حوالي الخامسة عشر من العمر، فالمتعلمون بالعربية كانوا قلة آنذاك. لكن والدها لم يقبل أن تعمل ابنته.

ماض مضى، داومت الحاجة ليلى على الحفظ والمراجعة واتباع توجيهات من يعلمها باهتمام، لم يكن سهلا عليها استرجاع خاصية استيعاب أحكام دقيقة جديدة عليها كليا، لكنها كانت تسير قدما بهمة عالية ولا تبالي، كانت نيتها التعلم والتقرب إلى الله تعالى، لم يخطر على بالها يوما أن تختم القرآن الكريم حفظا... إلى أن وصلت إلى الحزب الخامس والأربعين، فتوقفت هنيهة مع نفسها وتبادرت لها إمكانية إتمام ستين حزبا بالتمام... استبشرت خيرا، وتمنت أن تكرس جل وقتها للحفظ والمراجعة، فهي لشدة انشغالها بمهنة الخياطة كانت تقتطع من ساعات نومها من أجل القرآن، تستيقظ يوميا على الواحدة ليلا، والناس نيام، تحفظ وتثبت وتراجع إلى يطلع الصباح فتعود إلى الخياطة.

أصابها المرض وكان عليها إجراء عملية جراحية ومن بعدها الخضوع للراحة، فكان هذا هو السبب الذي جعلها تتقاعد عن امتهان الخياطة وتتفرغ نهائيا للقرآن، كما تمنت!

وبالفعل، وبنعمة من الله، أتمت الحاجّة ليلى حفظ كتاب الله تعالى وهي في الثاني والسبعين من عمرها. لقد استغرقت اثنا عشرة سنة كانت من أجمل سنوات حياتها، وهي الآن في مرحلة التثبيت والتصحيح.

همتها العالية والتزامها بحضور دروس حلقتها وتبكيرها الدائم هي خصال حية فيها، توقظ الحماس في نفوس الفتيات اللاتي يدرسن معها وفي أخريات من المسجد ذاته.

------------------ 
الصورة المرفقة مع التدوينة رخصتها تتيح لي استعمالها، وهذا مصدرها.

4 التعليقات:

Haitham Jafar يقول...

ما شاء الله

12 سنة من أفضل أنواع الاسثمار!

معمر يقول...

قصة توقظ الحماس في نفوسنا كذلك.

Tamer Nabil Moussa يقول...

قصة جميلة

مع خالص تحياتى

hlymaa osman يقول...

همة عالية ندرك من خلالها لا مستحيل وبامكاننا الحفظ والتعلم
فى كل مراحل حياتنا .
والشىء الاجمل هو (عسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) ان المرض
نقمة فى ظاهرها ولكن كان نعمة لها

إرسال تعليق